التعليم عن بعد وأزمة الثقة بين أولياء التلاميذ ومؤسسات التعليم الخصوصي
◆ عبد اللطيف الصبيحي

إن التعليم عن بعد بعيد كل البعد عن أسس العملية التربوية، لغياب شرطي التسيير المباشر والإشراف الضروريين لعملية التنشئة والتربية والتلقين، هذان الشرطان يعدان هامين للوصول بالمتعلم إلى كمال التبليغ وتقوية ملكاته وتنمية قدراته.
والسؤال المطروح، لماذا لم تتعفف الباطرونا المدللة، المالكة لمؤسسات التعليم الخاصة عن دس يدها في جيوب الأسر المغربية، في هذا الظرف بالذات، وهي مدركة تمام الإدراك استحالة توفيرها لأركان التدريس والتعليم السليم المتفق عليها عند جمهور المربين والمربيات..؟
على حد علمنا وبالرجوع لما تم تداوله من معطيات واحتجاجات تخص عدم قدرة الأسر تأدية أقساط التعليم الخاص، فإن قادم الأيام وخصوصا مع اقتراب الموسم الدراسي، سيشهد عملية شد الحبل بين أولياء أمور التلاميذ وجمعياتهم من جهة وبين الباطرونا ورابطتهم، وجشع أجبار التلاميذ على الإدلاء بوصولات أداء هاته المبالغ للتمكن من شواهد التسجيل، وذلك بعد فشل كل المبادرات التوفيقية، وأكيد أن الأمور ستزداد حدة مع فترة الامتحانات، ونتصور الأجواء النفسية العصيبة التي يمكن أن ترافق اجتياز التلاميذ لاختباراتهم هاته.
يبدو أن تمثيليات ورابطات التعليم الخصوصي أدمنت على ربط أحزمة الأوراق المالية كل شهر، وليس لها أدنى استعداد للتنازل عن ثلاثة أشهر من فترة الحجر الصحي، نكرانا منها وجحودا رغم ما استفادت منه من امتيازات لسنوات، والكل يعلم السياق الذي ولدت فيه مؤسسات التعليم الخصوصي، ولا يخفى على أحد أنها ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب.
هذا الأمر منع الجميع من تصديق زعمها الهشاشة والعوز، متضرعة بأسباب واهية، ورافضة المس بما تعودت حيازته.. ولو افترضنا جدلا نقص أرباحها المهولة، واعتبرنا أن فعلها نابع من التشبت بتعاقداتها الربحية كما تدعي، فعليها أن تعلم في الأخير أن تشبثها بالأداء الإجباري، يلزمها على الأقل بالتفاوض على قيمة الخدمة المقدمة وكلفتها بدل ” الصعود إلى الجبل “، فكلفة وقيمة التعليم عن بعد ليستا بنفس جودة التعليم المباشر.
لقد خرجت إدارة بعض مؤسسات التعليم الخاص عن رشدها، واستفاق توحشها الرأسمالي، ولطالما كانت ممارساتها بعيدة عن الرشد، وذلك راجع لإدمانها الريع الذي أصبح في عرفها شرعيا ومشرعنا مدعما بحجج لا يصدقها عاقل. فبعد أن وجدت نفسها في الزاوية وتصاعدت الانتقادات التي توجهت إليها من كل حدب وصوب، بدأت سياسة الوعيد باللجوء إلى المحاكم لاستخلاص حق لا تملكه، وزادت على ذلك بالتهديد بعدم تسليم وثائق الالتحاق والانتقال إلى مؤسسات التعليم العمومي، متخذة الأطفال والتلاميذ رهائن عندها، غير مبالية بصعوبة الظرفية التي تمر منها البلاد، لتشهر مخالب جشعها، في وجه أولياء أمور تلاميذ منهم من فقد عمله جزئيا أو كليا بسبب الوباء.
هذا الأمر لم تكن لتجرؤ عليه لولا أنها لمست ارتباكا وترددا في قرار وزير التعليم، الذي قذف بالملف بعيدا، وكلف مدراء الأكاديميات بإدارة المفاوضات بشأنه، معللا قراره بأن وزارته يقتصر دورها فقط على المتابعة البيداغوجية لا غير.
يفتقد تجار التعليم إلى خاصية مهمة يتمتع بها عموما كل التجار في القطاعات الأخرى، هذه الخاصية تتمثل في إدراكهم لأهمية الزبون “رغم أن التعليم أشرف من أن يكون سلعة”، كونه أساسا في استمرار تجارتهم، فتجدهم يبذلون جهودا مضنية للحفاظ عليه وتقديم أحسن الخدمات والتسهيلات له، مع حس عالٍ بالتفهم والإنصات له، فقدان هذه الخاصية دفعت نسبة كبيرة ومحترمة من الأسر المغربية للإفصاح عن رغبتها تحويل أقساط التعليم الخصوصي المقتطعة من الأجور، وتوجهها صوب المدرسة العمومية، للرفع من شأنها وتدارك كل نواقصها، أملا في استعادة أدوارها الطليعية التي من أجلها ضحى أجدادنا وحلموا بأن يصبح التعليم العمومي رافعة للتقدم والرقي المجتمعي.



