تدريس اللغات: اختيارات بدون سند علمي

◆ أبو ندى

منذ‭ ‬شتنبر‭ ‬2018‭ ‬شرعت‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬تعميم‭ ‬المنهاج‭ ‬المنقح‭ ‬للتعليم‭ ‬الابتدائي‭ ‬في‭ ‬السنتين‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تعميمه‭ ‬على‭ ‬المدرسة‭ ‬الابتدائية‭ ‬خلال‭ ‬سنتين‭. ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬المستجدات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنهاج‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬تدريس‭ ‬اللغات‭ ‬إدراج‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬الابتدائي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اللغتين‭ ‬العربية‭ ‬والأمازيغية‭.‬

إن‭ ‬أول‭ ‬سؤال‭ ‬يمكن‭ ‬طرحه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭: ‬أي‭ ‬نظريات‭ ‬تربوية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقبل‭ ‬بأن‭ ‬ندخل‭ ‬في‭ ‬المنهاج‭ ‬التعليمي،‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬تعليم‭ ‬ثلاث‭ ‬لغات؟‭.. ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬نظام‭ ‬تربوي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬عمل‭ ‬بذلك،‭ ‬وحقق‭ ‬نتائج‭ ‬إيجابية‭ ‬جديرة‭ ‬بالتقليد؟

خصص‭ ‬المنهاج‭ ‬المذكور‭ ‬17‭ ‬ساعة‭ ‬أسبوعية‭ ‬لتعليم‭ ‬اللغات‭ (‬العربية‭ ‬11‭ ‬ساعة،‭ ‬الفرنسية‭ ‬3‭ ‬والأمازيغية‭ ‬3‭ ‬ساعات‭) ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الغلاف‭ ‬الزمني‭ ‬الأسبوعي،‭ ‬فيما‭ ‬خصصت‭ ‬لباقي‭ ‬أنشطة‭ ‬ومواد‭ ‬التعلم‭ ‬الأخرى‭ ‬13‭ ‬ساعة‭ ( ‬رياضيات،‭ ‬علوم،‭ ‬تربية‭ ‬إسلامية،‭ ‬تربية‭ ‬فنية‭ ‬وبدنية‭). ‬وهنا‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الوكيد‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النقط‭ ‬والقضايا‭:‬

1-‭ ‬إن‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬بالنسبة‭ ‬للطفل‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الأولى،‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬التعقيد،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬بصدد‭ ‬تلمس‭ ‬خطواته‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة،‭ ( ‬أصوات،‭ ‬وبنيات،‭ ‬ومعجم‭ …) ‬يتم‭ ‬بناؤها‭ ‬غالبا‭ ‬دون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مكتسبات‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬لغته‭ ‬الأم‭ ( ‬الدارجة‭ ‬او‭ ‬الأمازيغية‭)‬،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬كأداة‭ ‬وكلغة‭ ‬لتعلم‭ ‬المواد‭ ‬الأخرى‭.. ‬إن‭ ‬الحصة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬المتعلم‭ ‬يمتلك‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬كفاية‭ ‬الفهم‭ ‬الشفوي‭ ‬للغة‭ ‬العربية،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬غير‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬الواقع‭.‬

2-‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الأمازيغية‭ ‬يمارس‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬أكبر‭ ‬كذبة‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬2003عندما‭ ‬شرع‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬3‭ ‬ساعات‭ ‬أسبوعيا‭ ‬لهذه‭ ‬المادة،‭ ‬وشرع‭ ‬في‭ ‬تعميمها‭ ‬‭( ‬إداريا‭) ‬دون‭ ‬تكوين‭ ‬للأطر‭ ‬الممارسة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬كفاية‭ ‬الأساتذة‭ ‬المتخصصين‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬تعيينهم‭ ‬أو‭ ‬التعاقد‭ ‬معهم‭. ‬وهكذا‭ ‬ظلت‭ ‬الأمازيغية‭ ‬لمدة‭ ‬15‭ ‬سنة‭ ‬فعلا‭ ‬وواقعا‭ ‬مجرد‭ ‬حبر‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬وأكثر‭ ‬الأساتذة‭ ‬اجتهادا‭ ‬وغيرة‭ ‬يدرسون‭ ‬متعلميهم‭ “‬تيفيناغ‭” ‬ومعجما‭ ‬بسيطا‭ ‬في‭ ‬الأمازيغية‭. ‬من‭ ‬يحاسب‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تضييع‭ ‬مجهود‭ ‬15‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬الأمازيغية‭ ‬بدون‭ ‬أثر‭ ‬يذكر؟

3-‭ ‬الفرنسية،‭ ‬ومنذ‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭.. ! .. ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬جيدا‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تكافؤ‭ ‬للفرص‭ ‬بين‭ ‬تلاميذ‭ ‬التعليمين‭ ‬الخصوصي‭ ‬والعمومي،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬أمر‭ ‬جيد‭ ‬للمتعلمين‭ ‬وللغة‭ ‬أيضا؟‭.  ‬إن‭ ‬تجربة‭ ‬تعليم‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بالمدرسة‭ ‬المغربية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تخضع‭ ‬لتقييم‭ ‬علمي‭ ‬وموضوعي‭ ‬يضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬لمستوى‭ ‬المتعلمين‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬ومحدودية‭ ‬استقطابها‭ ‬للمتعلمين‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الباكالوريا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬بالوزارة‭ ‬للتعاقد‭ ‬مع‭ ‬طلبة‭ ‬خريجي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وغيره‭ ‬لتدريس‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬الاعدادي‭ ‬والثانوي‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الابتدائي،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬التقرير‭ ‬بأن‭ ‬جميع‭ ‬المجازين‭ ‬مؤهلون،‭ ‬معرفيا،‭ ‬وصوتيا‭ ‬لتدريس‭ ‬الفرنسية‭…‬

إن‭ ‬مأزق‭ ‬النظام‭ ‬التربوي‭ ‬المغربي‭ ‬هو‭ ‬بالذات‭ ‬في‭ ‬فشل‭ ‬السياسات‭ ‬المتبعة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تدريس‭ ‬اللغات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭. ‬أما‭ ‬تجربة‭ ‬تدريس‭ ‬اللغات‭ ‬الألمانية‭ ‬والإنجليزية‭ ‬والإسبانية‭ ‬والإيطالية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الإعدادي‭ ‬والثانوي‭ ‬فتلك‭ ‬متاهة‭ ‬أخرى‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى