التكوين المهني: إقبال متزايد وضعف في البنيات والتجهيزات
◆ كمال المعروفي

مجرد سماع كلمة مكتب التكوين المهني وانعاش الشغل يتبادر إلى أذهاننا تلك النظرة الدونية والأحكام الجاهزة التي تناقلت إلينا من عامة المجتمع وحتى خاصته من الأساتذة و المثقفين، نذكر منها مثلا اعتبار هذه المؤسسة التكوينية ملاذا للفاشلين وذوي القدرات الدراسية المحدودة و مصدر العاطلين…هذه الأفكار و الترسبات، التي أصبحت قناعة لدى البعض، لم تأت من فراغ في ظل التخبط وكثرة المشاكل التي يعيشها هذا القطاع الحيوي بالمغرب، و أيضا في ظل النتائج المنتظرة منه ضمن سيرورة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعرفها المجتمع !
قبل الخوض في هذه المشاكل لا بد وأن نذكر أن أغلب المتدربين في هذه المؤسسة ينحدرون من الطبقة الكادحة والذين يلجأون إليها كخيار سريع لتحسين الوضعية الاجتماعية التي يعيشونها ولو في القطاع الخاص الذي يمتص دماء شباب وشابات هذا الوطن في ظل فشل الدولة المغربية في السيطرة عليه وضمان حقوق وكرامة المواطن أو توفير مناصب الشغل في سلك الوظيفة العمومية سواء لخريجي المعاهد العليا أو أصحاب الشواهد الجامعية بل وأصبح مسؤولو الدولة يقرون بهذا الفشل ويعلنون بملء أفواههم أن الجامعات والمعاهد لم تعد تنتج سوى المعطلين..اعتراف ولو أنه يعتبر تملصا من المسؤولية فهو يعكس عجز الدولة في إيجاد حلول للمشاكل الكثيرة التي تعصف بالتعليم العالي عامة وبقطاع التكوين المهني خاصة بعيدا عن متطلبات سوق الشغل بالمغرب بحيث تشير إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة في صفوف الحاصلين على شهادة التخصص المهني يصل إلى 24.2 في المائة، وشهادات التقنيين إلى 32 في المائة، وشهادة التأهيل المهني إلى 21.4 في المائة، وهذه النسب ما هي إلا تعبير عن صعوبة إدماج هؤلاء الشباب والشابات في سوق الشغل لأسباب تتراوح ما بين ضعف كفاءات الخريجين مقارنة مع الوظائف والخدمات المنتظرة منهم من جهة ومن جهة ثانية قلة المناصب المتاحة للكثير من الشعب التي وصل عددها إلى 340 شعبة ضمن برنامج التكوين المهني خاصة شعب الأعمال الاجتماعية وشعب الهندسة المدنية. هذا وتجدر الإشارة أن عدد رواد ل OFPPT ازداد بشكل ملحوظ منذ إحداثه سنة 1974، حيث بلغ العدد موسم 2017/2018 حسب إعلانات المكتب نفسه إلى حوالي 600 ألف متدرب و متدربة موزعة على 362 مؤسسة بمختلف مناطق المغرب، هذه الأرقام تطرح أكثر من علامة استفهام عن مدى توفر الإمكانيات اللوجيستيكية والبيداغوجية للتكوين والدراسة بمختلف هذه المؤسسات التي تفتقر في مجملها إلى أضعف شروط تلقي العلم والمعرفة من المرافق الأساسية بما فيها مستلزمات الحجرة الدراسية وأيضا الآلات والتجهيزات الخاصة بالأشغال التطبيقية؛ هذه الأخيرة حتى وإن توفرت – وأنا أخص بالذكر هنا الشعب التقنية- فإننا لا يمكن أن نطلق عليها أكثر من مصطلح “خردة ” بحكم أنها أصبحت متجاوزة ولا تواكب التطور التكنولوجي الذي يعرفه المجال الصناعي. هذا ويسجل الغياب التام للمكتبات وقاعات المطالعة في مؤسسات التكوين المهني وهو الامر الذي يؤثر على نفسية ومردودية المتدربين خاصة في فترة الإعداد للامتحانات.
فيما يخص الشق البيداغوجي؛ فكغيره من المناهج التربوية تعتمد الوزارة الوصية في برنامجها التعليمي بالتكوين المهني على النموذج الفرنكفوني الذي يعتمد على الوصف والحفظ وافتقاره للحس الإبداعي والابتكار والتحليل مقارنة مع بقية المناهج والتي نذكر منها سبيل المثال لا الحصر البرنامج الألماني، الياباني، الصيني والروسي؛ هذه الدول الرائدة في المجال الصناعي والمزودة لكل الأسواق العالمية بالنظم والآلات و التي تعتمد عليها الشركات والمصانع المغربية بشكل كبير لسد حاجياتها اللوجيستيكية، وهذا ما يصعب من مهمة خريجي معاهد التكوين المهني أثناء خروجهم إلى سوق العمل هذا وتجدر اﻹشارة إلى أن الاعتماد على نظام الوحدات أتبث فشله الذريع في كل التجارب التي تم اعتمادها فيه وعلى رأسها تجربة الجامعة..
وفي ظل غياب أي حسيب أو رقيب لهذا الوضع الفوضوي الذي يعرفه هدا القطاع من تسيب وعشوائية في التسيير يبقى المصير المجهول مآل آلاف الشباب والشابات المغاربة الذين يرون في مؤسسات التكوين المهني الأمل الأخير لتدارك ما يمكن تداركه.



