من دروس كورونا – حاجتنا إلى حلفاء المدرسة والجامعة العموميتين
◆ عبد اللطيف اليوسفي - عضو المكتب السياسي للاشتراكي الموحد – عضو الهيئة التنفيذية لفيدرالية اليسار – مدير اكاديمية سابقا

تجمع الكثير من البحوث والتقارير والآراء أن جائحة كرونا، إلى جانب آثارها المأساوية، مثلت لحظة سانحة لإعادة ترتيب الأولويات. وطرح السؤال العميق: ”أفلا يدعونا هذا الوضع المستجد إلى تبنى تفكير مغاير، واستبدال نسق تفكيرنا ومفاهيمه المؤطرة؟؟ بحيث يتوجه تفكيرنا الجماعي إلى ما هو إنساني بامتياز؟ وإلى تثبيت القوة الجبارة والواعدة للبحث العلمي الإنساني ؟ وإلى خدمة المصلحة المرفوعة على أعمدة الاقتصاد الإنساني -الذي يستحضر مصلحة الإنسان أولا” ، وهو مقتطف من رسالة ذ.محمد بنسعيد أيت إيدر. وقد استخلصت الكثير من الشعوب -ومنها الشعب المغربي- العديد من الدروس منها وفي مقدمتها : ارتفاع أصوات كثيرة وقوية من أجل إعادة وضع قطاع التعليم والبحث العلمي في صدر الأولويات المستقبلية. فقد كان قطاع التعليم أول وأهم القطاعات الحيوية التي حظيت باهتمام المسؤولين؛ وأول المجالات التي شملتها الإجراءات الاستباقية. وذلك بالنظر إلى العديد من الأسباب الموضوعية المتعلقة بصيانة صحة التلاميذ والأطر.. وذلك للأهمية البالغة التي يكتسيها القطاع، والخيوط القوية التي ينسجها في تجاويف المجتمع.. بل إن الكثيرين انتبهوا أخيرا إلى المؤسسة العمومية وأدوارها؛ سواء في الصحة: حيث هرع الناس إلى مظلة وحضن المستشفى العمومي يطلبون حمايته من هجوم وباء فتاك. كما التفت البعض أخيرا -بعد تنكر طويل- إلى أهمية المدرسة العمومية في تزويد الأوطان بالأطر الصحية الكُفؤَة والقادرة على حماية الإنسان في لحظة خوف وضعف.. وبذلك تكون الصحة والتعليم ”هما المجالان اللذان أظهرت هذه الأزمة المستجدة حاجة الأوطان إلى الاستثمار فيهما بقوة وبنفس مستمر وبعيد المدى”.(نفس الرسالة).
وفي عز الحجر الصحي التفتت الأسرة المغربية إلى تعليم أبنائها -حتى لا أقول تربيتهم- وهرع مسؤولو القطاع إلى تأمين “استمرار الدراسة” بما سمي تعليما عن بعد، بما له وما عليه. واتضح بما لا يقبل الشك أن المدرسة والجامعة العموميتين ووسائل الإعلام العمومية أقدر من غيرها من المؤسسات الخاصة – إلا ناذرا والناذر لا حكم له – على تقديم الخدمات التعليمية عن بعد ولو في حدها الأدنى، وخاصة لمن أسعفتهم إمكانياتهم المادية على هذه الاستفادة التي زادت الفوارق حدة . وبرزت في خضم التحولات التي يغلي بها المجتمع أسئلة الاستغلال الذي تتعرض له ميزانيات الأسر من غالبية مؤسسات التعليم الخصوصي. وانبثقت فكرة جوهرية وثورية تقضي بالعودة الجماعية إلى المؤسسات العمومية ومساعدتها على القيام بمهامها على أكمل وجه. وهنا ظهرت الحاجة الملحة لشحذ حلفاء المدرسة والجامعة العموميتين. وهي فكرة طالما نادينا بها منذ سنوات لتطوير الترافع المجتمعي على المدرسة العمومية، والدفاع عنها، وحمايتها مما يحاك حواليها من مخططات جهنمية ترمي القضاء عليها؛ وحملات قوية ومنظمة للإجهاز على صورتها -التي وقرت في الأذهان- باعتبارها قناة العلم، وموحدة القيم، ومجال الاختلاط الطبقي والفئوي وسلم الترقي الاجتماعي.
والنتيجة الحتمية لتلك الهجمات والمخططات الطويلة النفس أن مدرستنا وجامعتنا العموميتين مرتا من مراحل حساسة جدا وظرفية دقيقة مست سمعتهما في الصميم. غير أن ما يقع اليوم في زمن جائحة كوفيد 19 قد فتح الباب من جديد لعودة الروح إلى وعي المجتمع بأهمية مدرسته العمومية وهي أمه الحنون. ويجد هذا الوعي الجارف نفسه اليوم أمام احتمالين:
• إما أن يوظف هذا الوعي الجديد خير توظيف لفتح أفق التصحيح المطلوب ومعالجة الاختلالات – التي لا ينكرها إلا جاحد- وبالتالي نستثمر المرحلة بحس وطني عال لفتح الغد الواعد باسترجاع الثقة في المؤسسة العمومية باعتبارها رهان التقدم وقاطرة التنمية المستدامة.
• وإما أن يُسَاءَ توظيف هذه المرحلة لإعدام ما تبقى من الأمل، وتكسير مجاديف زوارقنا وإغراقها في وهم سحابة صيف سيقع انجلاؤها بمزيد من النقد الأعمى الذي يلصق بالمؤسسة التعليمية كل مشين.
ليس الغرض هنا -كما قد يتوهم البعض- أن ندفع في اتجاه التغاضي الجبان عن الاختلالات والكبوات ومناحي القصور المتعددة التي نعرفها حق المعرفة ونعيها كل الوعي. وقد سبق لعدة بيانات وبحوث وتقارير وطنية أن وقفت عندها مليا، ونبهت إليها في حينها من باب المسؤولية، كتقرير 2004 للجنة الخاصة بالتربية والتكوين الذي لم تعطَهُ العناية التي كانت ضرورية آنذاك بعد أربع سنوات على تفعيل الميثاق !، والتقرير التركيبي لمنتديات الإصلاح سنة 2005، وتقرير المجلس الأعلى 2008 وتقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين الصادرة منذ 2013، وكذا تقارير وبيانات الجمعيات المهتمة والنقابات المناضلة وبعض الأحزاب الوطنية والتقدمية. ولكن الغرض هنا هو التنبيه مرة أخرى إلى الحذر الضروري من احتمالات العودة إلى هذا الهجوم المضاعف، وهذا الإجهاز المقصود وغير المقصود على المؤسسة العمومية؛ لأنه ضار وظالم في لحظة الانتعاش هذه.
إن تثمين هذا الوعي بأهمية المرفق العمومي اليوم وفي مقدمته المدرسة العمومية لا ينبغي إهماله والسماح باندثاره كسحابة صيف عابرة. بل يلزم شحنه بطاقات التطور الإيجابي ليلتف الجميع حول المدرسة العمومية باعتبارها قاطرة فعلية للتنمية الشاملة. وهذه التعبئة تقتضي -فيما تقتضيه- تحميل المسؤولية للجهات التي نص عليها الميثاق وألزمها بالانخراط في سيرورات الإصلاح. ذاك الإصلاح المنشود -الذي لو قدر له أن يطبق منذ سنة 2000 بشكل مبدع وخلاق وذكي، ووفرت لتطبيقه كافة الإمكانيات المادية والبشرية، ودعمته التعبئة الشاملة الضرورية- لكنا اليوم أمام طفرة قوية، ولخطونا خطوة جبارة نحو الجودة المطلوبة. غير أن العديد من الأطراف لم تتحمل مسؤولياتها كاملة بحيث بقي قرار التربية أولوية وطنية بعد قضية استكمال التراب الوطني قرارا بدون التزامات عملية من كافة المؤسسات والجهات بما فيها سياسات الوزارات المتنوعة التي لم تتمحور بالشكل المطلوب حول التربية الوطنية/الأولوية الوطنية. إضافة إلى غياب مطلق لسياسات حكومية مندمجة ومتمحورة حول التربية والتكوين. وبالتالي لم يكن إصلاح التعليم هَمَّ الحكومَة أو هَمَّ الجماعات المحلية ومجالس الجهات أو هَمَّ الأحزاب أو هَمَّ النقابات أو الجمعيات إلا لماما وناذرا، والناذر لا حكم له.
فالحديث عن المدرسة المغربية المأمولة لا ينفصل أبدا عن التعبئة الوطنية الشاملة لحلفاء المدرسة والجامعة العموميتين. كما لا ينفصل عن ضرورة التفكير في مستلزمات تطوير هذه المدرسة؛ وإبداع السبل الكفيلة بإحلالها المكانة التي تستحقها. ولن يتم ذلك إلا مقرونا بتطبيق مبدأ التعبئة الشاملة الذي يعتبر مفتاحا أساسيا، وسكة موصلة إلى محطة الجودة التي ينتظرها الجميع، تلك المحطة التي ستكون -من دون شك- نقطة انطلاقة نحو التنمية الشاملة للبلاد.
إن الفرصة الذهبية التي تتيحها لنا جائحة كورونا اليوم لمصلحة المدرسة العمومية المغربية تستلزم من كافة الأطراف تحمل المسؤولية التاريخية لمساعدة هذه المدرسة على استرداد مكانتها وموقعها وإشعاعها، ولا شك أن الطاقات الهائلة التي تختزنها المدرسة والجامعة العموميتين المغربيتين، سواء طاقات التلاميذ والطلبة أو طاقات المدرسين والإداريين قادرة على أن ترفع مؤسستنا إلى موقع المؤسسة المنافسة والجذابة والمتعددة الأساليب المرجوة.
إن الفرصة اليوم أضحت سانحة لتجميع حلفاء المدرسة والجامعة العموميتين. أولا لحمايتها من الهجمات غير المسؤولة من الجهات التي تدس السم في العسل، وتسوغ الطعن في المصداقية بخطاب ظاهره غيرة على المؤسسة، وباطنه القضاء على ما تبقى من صورتها الصامدة. وثانيا لدعمها بكل الوسائل والاقتراحات والإسهام في تجاوز كل الكبوات والاختلالات، والانتصار على كل الإرغامات التي تعاني منها المؤسسة العمومية سواء من داخل بنياتها أو من خارجها.. لتستطيع العودة القوية إلى وظيفتها الطبيعية والمفترضة في تقديم تعليم جيد ومجاني وإلزامي لكافة بنات وأبناء الشعب المغربي.



