الأنوار ومناهج التعليم

◆ حنان درقاوي - كاتبة مترجمة ومحللة نفسانية. أستاذة فلسفة وفكر أسلامي/فرنسا.

افتتح الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت كتابه الأساسي “المقال في المنهج” بعبارة “العقل أعدل قسمة بين الناس”، هاته الجملة سيتلقفها فلاسفة الأنوار فيما بعد ليحولوها إلى برنامج متكامل لتحرير العقل الإنساني وتنمية قدراته في جميع المجالات فيما يسمى بالأنوار الفرنسية، وبالرغم من وجود ممثلين للأنوار من بلدان أخرى كألمانيا وانجلترا، مثل باروخ اسبينوزا، إسحاق نيوتن وجون لوك، فإنني سأركز على أثر الأنوار الفرنسية على موضوع هام واستراتيجي في حياة الشعوب ألا وهو التعليم..

يقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬إيمانويل‭ ‬كانط‭ ‬في‭ ‬جوابه‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ “‬ماهي‭ ‬الأنوار؟‭” ‬يقول‭ ” ‬الأنوار‭ ‬هي‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الوصاية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬بناء‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني‭”. ‬

الدعوة‭ ‬هنا‭ ‬واضحة‭ ‬وهي‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬الديانة‭ ‬المسيحية‭ ‬على‭ ‬العقل،‭ ‬وهي‭ ‬ديانة‭ ‬مؤسسة‭ ‬على‭ ‬توالي‭ ‬معجزات‭ ‬وخرافات‭ ‬مبطلة‭ ‬تماما‭ ‬للعقل‭ ‬وقوانينه‭ ‬كالسببية‭ ‬والترابط‭ ‬المنطقي‭.‬

حركة‭ ‬الأنوار‭ ‬الفرنسية‭ ‬قادها‭ ‬فلاسفة‭ ‬لا‭ ‬يفوق‭ ‬عددهم‭ ‬العشرون،‭ ‬وهم‭ ‬كتبة‭ ‬الموسوعة‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬عن‭ ‬طموح‭ ‬جامح‭ ‬لمعرفة‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬أثر‭ ‬فلاسفة‭ ‬الأنوار‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬وفي‭ ‬الثورة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وفي‭ ‬صياغة‭ ‬دستورها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬تصور‭ ‬الأنوار‭ ‬للديمقراطية‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الأنوار‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬حركة‭ ‬نقد‭ ‬سلبية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬إيجابية‭ ‬وفاعلة‭ ‬وقدمت‭ ‬بدائل‭ ‬فكرية‭ ‬وفلسفية‭ ‬للخرافة‭ ‬والجهل‭ ‬الذي‭ ‬أشاعته‭ ‬المسيحية‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬سيادة‭ ‬الكنيسة‭ ‬دينيا‭ ‬وسياسيا‭.‬

في‭ ‬قلب‭ ‬اهتمامات‭ ‬فلاسفة‭ ‬الأنوار‭ ‬توجد‭ ‬مسالة‭ ‬التعليم،‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬مؤلفات‭ ‬جون‭ ‬جاك‭ ‬روسو‭ ‬نجد‭ ‬كتاب‭ “‬إميل‭ ‬أو‭ ‬التربية‭” ‬والذي‭ ‬يصور‭ ‬طفلا‭ ‬يتيما‭ ‬يهتم‭ ‬به‭ ‬معلمه،‭ ‬الفكرة‭ ‬القوية‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬يقترحه‭ ‬روسو‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬دور‭ ‬المعلم‭ ‬في‭ ‬تهيئ‭ ‬الظروف‭ ‬لكي‭ ‬ينبثق‭ ‬فكر‭ ‬وعقل‭ ‬إميل،‭ ‬أي‭ ‬تنمية‭ ‬عقله‭ ‬النقدي‭ ‬بدل‭ ‬التلقين‭ ‬والحفظ،‭ ‬وهي‭ ‬الفكرة‭ ‬القوية‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنشاء‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬متعلمين‭ ‬يفكرون‭ ‬ويطرحون‭ ‬أسئلة‭ ‬ويخترعون‭ ‬نظريات‭ ‬وأجهزة،‭ ‬منذ‭ ‬روسو‭ ‬حتى‭ ‬استيفان‭ ‬هوبكنز‭ ‬والفيزيائيين‭ ‬الفلكيين‭ ‬الذين‭ ‬خاضوا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬ظل‭ ‬محرما،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬مصدر‭ ‬الكون،‭ ‬وتوصلوا‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬مذهلة‭.‬

‭ ‬هناك‭ ‬أيضا‭ ‬كتاب‭ “‬البحث‭ ‬في‭ ‬التعليم‭” ‬لنيكولا‭ ‬كوندورسيه‭ ‬وهو‭ ‬يضع‭ ‬خمسة‭ ‬مبادئ‭ ‬للتعليم،‭ ‬وهي‭ ‬حماية‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية،‭ ‬واعتبار‭ ‬التفوق‭ ‬كأعلى‭ ‬أشكال‭ ‬المساواة،‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬اعتبار‭ ‬التعليم‭ ‬العمومي‭ ‬تابعا‭ ‬للإرادات‭ ‬الخاصة‭ ‬والمنفعة‭ ‬القريبة‭ ‬المدى،‭ ‬وفي‭ ‬الأخير‭ ‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬للإخبار‭ ‬فقط‭ ‬وليس‭ ‬للإخضاع‭. ‬

هاته‭ ‬المبادئ‭ ‬وغيرها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬مغامرة‭ ‬عصر‭ ‬الأنوار،‭ ‬والتي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬استثمارا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬فيه‭ ‬للارتجال‭ ‬والأخطاء،‭ ‬لأن‭ ‬أخطاء‭ ‬جميع‭ ‬القطاعات‭ ‬الأخرى‭ ‬يمكن‭ ‬تداركها،‭ ‬إلا‭ ‬التعليم،‭ ‬لأنه‭ ‬رافعة‭ ‬القطاعات‭ ‬الأخرى‭ ‬وعلى‭ ‬أساسه‭ ‬تم‭ ‬تعميم‭ ‬العلوم،‭ ‬بل‭ ‬تبسيطها‭ ‬لتدخل‭ ‬حتى‭ ‬الحضانة‭ ‬وتم‭ ‬تدريس‭ ‬الفنون‭ ‬والموسيقى‭ ‬والرياضة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الآداب‭ ‬والفلسفة،‭ ‬وكذا‭ ‬إعطاء‭ ‬نظرة‭ ‬عن‭ ‬أديان‭ ‬مختلفة‭ ‬بشكل‭ ‬متساوي‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬التربية‭ ‬على‭ ‬التعايش‭.‬

ما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬التعليم‭ ‬عندنا؟‭ ‬

باعتباري‭ ‬خريجة‭ ‬المدرسة‭ ‬العمومية‭ ‬المغربية‭ ‬وكأستاذة‭ ‬فلسفة‭ ‬لسنوات،‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬تعليمنا‭ ‬لا‭ ‬يتوافق‭ ‬نهائيا‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬مبدأ‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬الأنوار‭ ‬وبرنامجها‭ ‬التربوي،‭ ‬يعتمد‭ ‬تعليمنا‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬الحفظ‭ ‬في‭ ‬المواد‭ ‬الأدبية‭ ‬والدين،‭ ‬وتدريس‭ ‬العلوم‭ ‬يتم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإخبار‭ ‬والتلقين‭ ‬الذي‭ ‬نهى‭ ‬عنه‭ ‬روسو‭ ‬وتم‭ ‬تعويضه‭ ‬بالتجربة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بيداغوجيا‭ “‬وضع‭ ‬اليد‭ ‬في‭ ‬العجين‭”‬،‭ ‬فأين‭ ‬هي‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬مدارسنا؟‭ ‬فالتجربة‭ ‬لا‭ ‬تمارس‭ ‬لا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحضانة‭ ‬ولا‭ ‬للابتدائي،‭ ‬فالطالب‭ ‬عندنا‭ ‬يلتقي‭ ‬بالتجربة‭ ‬في‭ ‬الإعدادي‭ ‬داخل‭ ‬مختبرات‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والفيزيائية‭ ‬وما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬المختبرات‭ ‬إلا‭ ‬الإسمنت‭ ‬وبعض‭ ‬الأنابيب،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬المعدات‭ ‬اللازمة،‭ ‬هكذا‭ ‬يضطر‭ ‬الأستاذ‭ ‬إلى‭ ‬إخبار‭ ‬التلميذ‭ ‬بالتجربة‭ ‬ونتائجها‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يخلق‭ ‬لا‭ ‬الفهم‭ ‬ولا‭ ‬الاستيعاب‭ ‬ولا‭ ‬يصنع‭ ‬علماء‭ ‬مغاربة‭ ‬مبدعين‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذا،‭ ‬فحكمة‭ ‬التعليم‭ ‬عندنا‭ ‬متوالية‭ ‬من‭ ‬الارتجالات،‭ ‬تخضع‭ ‬لمنطق‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬الذي‭ ‬نهى‭ ‬عنه‭ ‬كوندورسيه،‭ ‬فمثلا‭ ‬تارة‭ ‬اعتمد‭ ‬التعريب‭ ‬وتارة‭ ‬الفرنسة،‭ ‬دون‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬تربط‭ ‬التعليم‭ ‬بالواقع‭ ‬الدولي‭ ‬وتطورات‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني،‭ ‬بدل‭ ‬ربطه‭ ‬باعتبارات‭ ‬قصيرة‭ ‬كالقومية‭ ‬واستهجان‭ ‬لغة‭ ‬المستعمر‭.‬

باعتماده‭ ‬على‭ ‬الحفظ،‭ ‬يحول‭ ‬تعليمنا‭ ‬دون‭ ‬نشأة‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬كما‭ ‬تصوره‭ ‬فلاسفة‭ ‬الأنوار‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬العقل‭ ‬النقدي،‭ ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يحفظ‭ ‬لا‭ ‬يفهم،‭ ‬لا‭ ‬ينتقد،‭ ‬لا‭ ‬يختبر‭ ‬قدراته‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬مساءلة‭ ‬ما‭ ‬يحفظه،‭ ‬فما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬دروس‭ ‬التربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الطويلة،‭ ‬من‭ ‬تلقين‭ ‬أعمى‭ ‬وحفظ‭ ‬غريب‭ ‬للقران،‭ ‬والذي‭ ‬استعصى‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬جهابذة‭ ‬المفسرين‭ ‬جريمة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الطفل‭ ‬المغربي‭ ‬وفي‭ ‬حق‭ ‬مجتمعنا،‭ ‬ويعاكس‭ ‬ما‭ ‬نريد‭ ‬لبلادنا‭ ‬بأن‭ ‬تلحق‭ ‬بالأمم‭ ‬التي‭ ‬نهضت‭ ‬من‭ ‬سباتها‭. ‬

‭ ‬خلال‭ ‬هاته‭ ‬الحصص‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬التعذيب‭ ‬النفسي،‭ ‬يغيب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬ديني‭ ‬أخر،‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬نربي‭ ‬على‭ ‬التسامح‭ ‬وفهم‭ ‬الأخر،‭ ‬ونربط‭ ‬التعليم‭ ‬بالسلطة‭ ‬الدينية‭ ‬والسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬كمشروعية،‭ ‬وهذا‭ ‬منافي‭ ‬لتوصيات‭ ‬كوندورسيه‭.‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬أطالب‭ ‬بإلغاء‭ ‬تعليم‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تقليص‭ ‬ساعات‭ ‬التربية‭ ‬الدينية،‭ ‬وأن‭ ‬يتم‭ ‬اختيار‭ ‬آيات‭ ‬مناسبة‭ ‬لكل‭ ‬فئة‭ ‬عمرية،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬تفاسير‭ ‬حديثة‭ ‬تشرح‭ ‬تاريخ‭ ‬القرآن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جذوره‭ ‬السريانية‭ ‬التي‭ ‬تعفي‭ ‬من‭ ‬متاهات‭ ‬التفاسير‭ ‬ولغطها‭ ‬التي‭ ‬تعقد‭ ‬الفهم‭. ‬

من‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يستفد‭ ‬فيها‭ ‬تعليمنا‭ ‬من‭ ‬درس‭ ‬الأنوار‭ ‬أنه‭ ‬حاصر‭ ‬الفلسفة،‭ ‬فيما‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬أوربا،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحضانات‭ ‬ورشات‭ ‬فلسفة‭ ‬تتيح‭ ‬للطفل‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬ويستمتع‭ ‬ويدرب‭ ‬عقله‭ ‬على‭ ‬التساؤل‭ ‬كمفتاح‭ ‬للمعرفة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تغيب‭ ‬الفلسفة‭ ‬عن‭ ‬مدارسنا‭ ‬وحضاناتنا‭ ‬وإعدادياتنا،‭ ‬وتحضر‭ ‬في‭ ‬الثانوي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬ضخمة‭ ‬لا‭ ‬تتيح‭ ‬التوقف‭ ‬والتأمل‭ ‬النقدي‭ ‬والتفاعل،‭ ‬ويتحول‭ ‬الدرس‭ ‬الفلسفي‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الزاوية،‭ ‬فيها‭ ‬شيخ‭ ‬ومريدون،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مناسبة‭ ‬لنشأة‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬وأغلب‭ ‬الأساتذة‭ ‬يعتمدون‭ ‬الدرس‭ ‬الأساسي‭ ‬التلقيني‭.‬

التضييق‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭ ‬سياسة‭ ‬مقصودة‭ ‬منذ‭ ‬السبعينات،‭ ‬وحصر‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬جامعتين‭ ‬أمر‭ ‬موجه‭ ‬لخنق‭ ‬ملكات‭ ‬النقد‭ ‬والوعي،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬تضييق‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬منذ‭ ‬إغلاق‭ ‬معهد‭ ‬السوسيولوجيا،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬لدى‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الظاهرة‭ ‬الإنسانية‭.‬

المؤسف‭ ‬له‭ ‬أيضا،‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬كفاية‭ ‬درس‭ ‬الرسم‭ ‬زمنيا‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬الإمكانيات،‭ ‬لأن‭ ‬الرسم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬تهيكل‭ ‬تصور‭ ‬المكان‭ ‬والأحجام‭ ‬عند‭ ‬الطفل‭ ‬والبالغ‭ ‬أيضا،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬مقدمات‭ ‬التفكير‭ ‬العلمي‭ ‬ويتم‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬مدارسنا‭ ‬كفسحة‭ ‬عند‭ ‬البعض،‭ ‬وكعقوبة‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬الأخر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ترصد‭ ‬له‭ ‬مدارس‭ ‬أوربا‭ ‬إمكانيات‭ ‬ضخمة‭ ‬وتتخرج‭ ‬من‭ ‬معاهد‭ ‬تكوين‭ ‬الأساتذة‭ ‬أفواج‭ ‬منتظمة‭ ‬من‭ ‬معلمي‭ ‬الفنون‭.‬

غياب‭ ‬الموسيقى‭ ‬من‭ ‬أسلاك‭ ‬التعليم،‭ ‬ليس‭ ‬كنشاط‭ ‬موازي‭ ‬بل‭ ‬كمادة‭ ‬مقررة،‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬تخلف‭ ‬تعليمنا،‭ ‬إن‭ ‬الموسيقى‭ ‬ليست‭ ‬مضيعة‭ ‬للوقت،‭ ‬فالكون‭ ‬نغم‭ ‬وعدد‭ ‬وهذا‭ ‬فهمه‭ ‬الإغريق،‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬قرنا‭.‬

من‭ ‬توصيات‭ ‬كوندورسيه‭ ‬جعل‭ ‬التفوق‭ ‬أعلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬المساواة،‭ ‬وذلك‭ ‬لخلق‭ ‬حماس‭ ‬وتنافس‭ ‬نبيل‭ ‬بين‭ ‬المتعلمين‭.‬

كيف‭ ‬يتم‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمتفوق‭ ‬في‭ ‬مدارسنا؟

شخصيا‭ ‬كنت‭ ‬تلميذة‭ ‬متفوقة‭ ‬طيلة‭ ‬تمدرسي‭ ‬وتلقيت‭ ‬نفس‭ ‬المنجد‭ ‬لسنوات‭ ‬عديدة‭ ‬وبعض‭ ‬الكتب‭ ‬التمجيدية‭ ‬لبعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬السياسية،‭ ‬ففيما‭ ‬أفادتني؟‭ ‬ماذا‭ ‬فعلنا‭ ‬بالمتفوقين؟‭ ‬ماذا‭ ‬فعلنا‭ ‬من‭ ‬أجلهم؟‭ ‬كيف‭ ‬فرطنا‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬مثل‭ ‬منصف‭ ‬السلاوي‭ ‬وغيره‭ ‬كثيرين؟‭ ‬

نلاحظ‭ ‬إذن‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬تعليمنا‭ ‬لا‭ ‬يحترم‭ ‬أيا‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬الأنوار‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نموذج‭ ‬لكل‭ ‬التجارب‭ ‬التعليمية‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬العالم،

فإضافة‭ ‬إلى‭ ‬عوائق‭ ‬التعليم،‭ ‬تم‭ ‬إغراق‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ديني‭ ‬يرجى‭ ‬منه‭ ‬تجنيبنا‭ ‬خطر‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وهذا‭ ‬التدين‭ ‬هو‭ ‬التصوف‭ ‬الطرقي،‭ ‬وكسليلة‭ ‬لطريقة‭ ‬صوفية‭ ‬اعترف‭ ‬بما‭ ‬يمنحه‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬العقدي‭ ‬من‭ ‬أمان‭ ‬روحي‭ ‬وصفاء‭ ‬وتسامح،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننكر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬فيه‭ ‬إبطال‭ ‬للعقل‭ ‬والإرادة،‭ ‬ويسود‭ ‬بين‭ ‬ممارسيه‭ ‬التواكل‭ ‬والجبرية‭ ‬وقبول‭ ‬الأوضاع‭ ‬بدل‭ ‬تغييرها،‭ ‬إن‭ ‬مهندسي‭ ‬التوجهات‭ ‬الثقافية‭ ‬والعقدية‭ ‬الكبرى‭ ‬للمجتمع‭ ‬تعيقهم‭ ‬الرؤية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬فدعم‭ ‬التجهيل‭ ‬وإبطال‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجنب‭ ‬الإرهاب‭ ‬حساب‭ ‬قاصر،‭ ‬لأن‭ ‬الجهل‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسهل‭ ‬الإرهاب،‭ ‬فالجاهل‭ ‬سينقاد‭ ‬مع‭ ‬الإرهاب‭ ‬بسهولة‭ ‬فيما‭ ‬الذي‭ ‬يستخدم‭ ‬عقله‭ ‬سيصمد‭ ‬بل‭ ‬وسيحارب‭ ‬الإرهاب،‭ ‬لقد‭ ‬سألوا‭ ‬أنجيلا‭ ‬ميركيل‭ “‬لماذا‭ ‬تستثمرين‭ ‬كل‭ ‬هاته‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬التعليم؟‭ ” ‬ردت‭ “‬لأن‭ ‬كلفة‭ ‬الجهل‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬التعليم‭”. ‬

من‭ ‬مطالب‭ ‬الأنوار‭ ‬أيضا‭ ‬توفير‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬المعتقد‭ ‬والضمير‭ ‬لكي‭ ‬يفكر‭ ‬المتعلم‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأشياء،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬أسئلة‭ ‬محرمة‭ ‬في‭ ‬العلم،‭ ‬وهذا‭ ‬شيء‭ ‬غائب‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬ويتم‭ ‬قمع‭ ‬وعقاب‭ ‬أي‭ ‬طفل‭ ‬يتساءل‭ ‬مثلا‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬الإله‭ ‬ووجود‭ ‬الملائكة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الثوابت‭ ‬الإيمانية،‭ ‬هذا‭ ‬العقاب‭ ‬يقمع‭ ‬التساؤل‭ ‬عند‭ ‬الطفل‭ ‬وحين‭ ‬ينطفئ‭ ‬السؤال‭ ‬يموت‭ ‬العلم‭. ‬

نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬احتقان‭ ‬شديد‭ ‬بين‭ ‬مغربين،‭ ‬مغرب‭ ‬التعليم‭ ‬العمومي‭ ‬ومغرب‭ ‬التعليم‭ ‬الخصوصي،‭ ‬تم‭ ‬إفراغ‭ ‬التعليم‭ ‬العمومي‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬المعرفية‭ ‬وتوجه‭ ‬الناس‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬نحو‭ ‬التعليم‭ ‬الخصوصي،‭ ‬وهذا‭ ‬خلق‭ ‬قطيعة‭ ‬اجتماعية‭ ‬بين‭ ‬الفئتين،‭ ‬فنلندا‭ ‬مثلا‭ ‬منعت‭ ‬التعليم‭ ‬الخصوصي‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬ترتيب‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جودة‭ ‬التعليم،‭ ‬وفرنسا‭ ‬فيها‭ ‬تعليم‭ ‬خصوصي‭ ‬لكنه‭ ‬محدود‭ ‬جدا‭ ‬ويلجه‭ ‬من‭ ‬يريدون‭ ‬لأبنائهم‭ ‬تربية‭ ‬دينية‭ ‬مسيحية‭ ‬أو‭ ‬يهودية‭ ‬أو‭ ‬إسلامية،‭ ‬فأولاد‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬يلجون‭ ‬المدرسة‭ ‬العمومية‭ ‬الجيدة‭.‬

نحن‭ ‬نسبح‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬معلومات‭ ‬مدمرة‭ ‬للعلم،‭ ‬فقد‭ ‬فتحنا‭ ‬أسواقنا‭ ‬لفكر‭ ‬داعشي‭ ‬متطرف،‭ ‬مثل‭ ‬دعاة‭ ‬نظريات‭ ‬الإعجاز‭ ‬العلمي‭ ‬التي‭ ‬توقف‭ ‬أي‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي،‭ ‬فمادام‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭ ‬فما‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬والى‭ ‬علوم‭ ‬الغرب؟‭ ‬كتب‭ ‬الخرافة‭ ‬هاته‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬وتفتح‭ ‬مدرجات‭ ‬الجامعات‭ ‬لمحاضرين‭ ‬يفتون‭ ‬في‭ ‬النسبية‭ ‬وعلوم‭ ‬الوراثة‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬يتم‭ ‬لي‭ ‬عنقها‭ ‬لاستخراج‭ ‬أشياء‭ ‬ليست‭ ‬فيها،‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬ليصدر‭ ‬قرار‭ ‬سيادي‭ ‬باعتبار‭ ‬حماية‭ ‬العقول‭ ‬من‭ ‬الخرافة‭ ‬والتطرف‭ ‬والانغلاق‭ ‬بنفس‭ ‬قيمة‭ ‬حماية‭ ‬الحدود،‭ ‬إن‭ ‬إقلاع‭ ‬ماليزيا‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتعليمي‭ ‬بدأ‭ ‬حين‭ ‬أغلقت‭ ‬حدودها‭ ‬أمام‭ ‬مثل‭ ‬هاته‭ ‬الأفكار‭ ‬المعطلة‭ ‬للعقل‭ ‬والتعليم‭.‬

لنجعل‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬أنوار‭ ‬العقل‭ ‬حصانة‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬أخطار‭ ‬الإرهاب‭ ‬وكل‭ ‬أشكال‭ ‬التخلف‭ ‬التي‭ ‬نقبع‭ ‬فيها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى