من أجل حوار قطاعي بوزارة التربية الوطنية ممأسس وفاعل ومنتج
◆ د. محمد خفيفي

سمحت جائحة كورونا بعودة النقاش حول التعليم وقضاياه بشكل مخالف ومغاير لما عهدناه سابقا، وقد سجلت العديد من المنابر الإعلامية زخم هذا النقاش الذي شارك فيه كل المهتمين القريبين من القطاع وحتى المتطفلين عليه، بشكل بين أن المسألة التعليمية هي في حاجة اليوم لنقاش مجتمعي يحدد الأولويات ويوضح الأهداف المبتغاة ويضع خارطة طريق متواقف حولها تسمح بالانطلاق الفعلي نحو إصلاح من شأنه أن يتجاوز الاحباطات والخيبات التي منيت بها المنظومة من خلال التجارب السابقة سواء تعلق الأمر بالميثاق الوطني أو البرنامج الاستعجالي أو ما نعيشه اليوم من تنزيل للقانون الإطار.
ولسنا بحاجة إلى التذكير بمختلف التقارير الوطنية والدولية التي وقفت على مكامن الخلل والأعطاب الظاهرة والمبطنة التي تعتري نظامنا التعليمي وكشفت إخلافنا لانطلاقة حقيقية تعيد الاعتبار لمنظومتنا وتهيئنا لاقلاع تربوي يكون داعما لنهضة وتنمية منشودة ننخرط بها في الثورة المعرفية التي يشهدها العالم والتي لا تقبل بالتخلف عن الركب والركون إلى المرتبات المتأخرة في التعليم.
لذلك نعتقد أن الجائحة يجب أن تكون مدخلا لإعادة النظر في عدد من القضايا المرتبطة بالتعليم وقضاياه،وأن تفتح أوراش حول كل ما له علاقة بالتعليم من قريب أو بعيد من أجل توحيد التصورات وإغنائها ، والانطلاق دون ،مضيعة للوقت، من أجل التنزيل والانخراط الكلي والمجتمعي، من أجل تعليم عمومي جيد ،قوي متماسك، حديث،ديمقراطي يحقق تكافؤ الفرص ويبني كفاءات الغد التي ستواجه عالما معقدا ومتشابكا تتداخل وتتعارض فيه المصالح وتلهثُ وراء احتكار المعارف والمنافع الاقتصادية.
لقد كان الهم الأساسي في بداية انتشار الوباء هو ضمان استمرارية التعلم وعدم خلق قطيعة بيداغوجية بين المتعلمين والمدرسين وهو ما حدا بالوزارة إلى التعجيل باتخاذ قرار التعلم عن بعد كخيار استراتيجي تجند الأساتذة والأستاذات بإمكانياتهم الذاتية لإنجاح المشروع رغم ما رافقه من انعدام تكافؤ الفرص واختلاف في التلقي تحكمت فيه ظروف اقتصادية ومجالية واجتماعية.
ومع استمرار الوباء بدا أن إشكالية إتمام السنة أصبحت مطروحة وتفترض تدخلا وحلا وهو ما حدا بالوزارة إلى فتح استشارة مع النقابات التعليمية الست الأكثر تمثيلية ليتم التوصل والتوافق حول الصيغ المعروفة الآن المرتبطة باجتياز امتحانات الباكلوريا وتحقيق وضمان السلامة للمتعلمين ولكافة العاملين بالقطاع، وإرجاء امتحانات أخرى إلى شهر شتنبر القادم وإعطاء الصلاحيات لمجالس الأقسام في تدبير عملية النجاح بالنسبة للمستويات الغير إشهادية….
في هذا السياق ظل الصوت النقابي حاضرا من خلال البلاغات والبيانات التي نشرتها النقابات التعليمية مطالبة بعدم جعل ظرفية كورونا عائقا أمام تدبير ملفات قطاع التربية الوطنية. فقد لا حظ كل المتتبعين بأن تدبير عدد من الملفات أصابه الشلل، وقد عمدنا كجامعة وطنية للتعليم، الاتحاد المغربي للشغل، في بياننا الأخير إلى المطالبة باستمرارية الادارة وعدم توقفها وعدم اقتصارها على برمجة الدروس عن بعد، وهكذا ذكرنا بأن إخراج المراسيم التعديلية التي تم التوافق حولها يجب أن يرى النور ولا موجب للتأخير الذي ينعكس سلبا على كل المعنيين بهذه المراسيم ونعني بها:
ملف الإدارة التربوية سواء المتعلق بالإسناد أو المسلك
ملف المكلفين خارج سلكهم
ملف الترقي بالشهادات
ملف التوجيه والتخطيط
يجب أن نقر أن المسار الذي انتهجته الوزارة مع شركائها الاجتماعيين كان عائقا أساسيا في بلورة تصور شامل نسهم من خلاله جميعا في التعبئة الوطنية من أجل المدرسة العمومية، فالوزارة خلقت وضعا مستعصيا الأهم فيه هو فقدان الثقة بين بين كل مكونات العملية التربوية ،وفي مقدمتهم الحركة النقابية التعليمية….لقد أقحمنا في دوامة الانتظاررية لمدة سنوات كان من الممكن استثمارها لجعل المدرسة في قلب اهتمامنا واشراك الجميع لرفع هذا التحدي ولكن مع الأسف الشديد الوزارة الوصية اختارت نهجا مخرجاته اليوم هو ما نراه ونعاينه.
في السياق الذي نتحدث فيه نؤكد أنه آن الأوان أن تعيد الوزارة ،انطلاقا من المستجدات التي أفرزتها كورونا، النظر في آليات اشتغال الحوار القطاعي، فقراءة نقدية لمساره تبين التعثر المنهجي الذي صاحبه ورافقه لمدة سنوات طوال، يكفي أن نشير إلى واقع القانون الأساسي الأسير بدهاليز الوزارة منذ 2013 إلى اليوم دون أن تتمكن النقابات حتى من مسودة للاطلاع وإبداء وجهة النظر،مع العلم أن هذا القانون من شأنه أن يرفع الاحتقان عن عدد من الفئات المناضلة اليوم من أجل حقوقها المهضومة، لذلك المطلب النقابي بالإسراع بإخراج نظام أساسي عادل ومنصف وموحد، له راهنيته التي ستسمح بتصفية الأجواء لخلق دينامية تسهل عمليات تنزيل القوانين المرتبطة بالإصلاح.
الحاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى للتفكير في مأسسة الحوار القطاعي، ليس بإيعاز من رئيس الحكومة ،كما في رسالته الأخيرة الموجهة للوزراء، ولكن كضرورة ترتبط بإرادة مشتركة بين الجميع لتجاوز التباطؤ الذي يعرفه تدبير عدد من الملفات التي تصل إلى 22 ملف كلها في غرفة الانتظار،وعلى راسها ملف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد،ومنها المرسوم التعديلي الخاص بالمساعدين الإداريين والتقنيين ،والدكاترة العاملين بقطاع التربية الوطنية،وملفات:المقصيين من خارج السلم ومن الدرجة الجديدة،الملحقون التربويون وملحقو الاقتصاد والإدارة،العرضيون سابقا،المبرزون والمستبرزون،أطر التسيير المالي والإداري،المفتشون،والممونون،ضحايا النظامين فوجي 93و94 ،اساتذة الزنزانة 10،أساتذة العاملون بالخارج،التقنيون والمتصرفون والمحررون والمهندسون، المرسبون والمعفيون،الأساتذة العاملين بمختلف مراكز التكوين التابعة لوزارة التربية الوطنية المربيات والمربيون للتعليم الأولي،أساتذة اللغة الأمازيغية…..
فئات عديدة تنتظر الإنصاف ورد الاعتبار ولا يمكن إنجاز ذلك إلا ضمن مسارين متكاملين:إخراج النظام الأساسي بالشكل الذي يتجاوز الثغرات السابقة، وبلورة تصور جديد للحوار القطاعي تتحكم فيه إرادة سياسية تؤمن بأنه لا مجال اليوم للتأخر وهدر الزمن التربوي على اعتبار أن الرهان الأكبر هو ربح معركة التعليم بالحد من الهدر المدرسي المرتفع الذي يجعل العديدين يغادرون المدارس بدون رجعة، والانخراط في الثورة المعرفية التي يشهدها العالم وتثبيت دعائم مدرسة عمومية متطورة دمقراطية يتشرب فيها الجميع قيم المواطنة الحقة، كفيلة بتهييءناشئتنا لمواجهة التحديات المستقبلية في عالم تسوده المنافسة والصراع.والدفع بتعليمنا نحو المدرسة الذكية الحاضنة للرقمنة والمتملكة للوسائل التكنولوجية المتطورة التي تساهم في تفتح المعارف وتطوير المهارات والكفايات بمنهجية علمية تستفيد من تطور النظريات التربوية الحديثة.
إن هذه القناعة رديفة فهم أن الموارد البشرية في قطاع التربية الوطنية هي رافدة الإصلاح،هي جسره، وهي المعول عليها في تنزيله وإنجاحه، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا برد الاعتبار لها والاهتمام بها.لا بد من الانتياه إن القاعدة الأساسية لمواردنا البشرية اليوم هي شابة بحكم الأعداد الكبيرة التي يتم توظيفها، وهو معطى يجب استحضاره في كل مقاربة وفي كل توجيه ، ومعنى ذلك إعطاء التكوين المستمر والتأطير ما يستحقان من عناية ومن جدية تتجاوز الأخطاء والهفوات التي ارتكبت سابقا وجعلت التكوين المستمر بدون جدوى. وقد انتبه القانون الإطار إلى ذالك في مادته السادسة والثلاثين” يتعين على السلطات الحكومية ومؤسسات التكوين المعنية أن تعمل على مراجعة برامج ومناهج التكوين الأساسي لفائدة الأطر العاملة بمختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ومستوياتها، بقصد تأهيلهم وتنمية قدراتهم، والرفع من أدائهم وكفاءتهم المهنية….”
وإذ نثمن المجهودات المبذولة على صعيد رقمنة الموارد البشرية وتسهيل الخدمات المقدمة لنساء ورجال التعليم)البوابة الإلكترونية( بفضل جهود العاملين بالموارد البشرية، وبسبب الانخراط في دعم تفعيل الجهوية من خلال الصلاحيات المقدمة اليوم للأكاديميات الجهوية في تدبير عدد من القضايا ذات الارتباط المباشر بالموظفين والموظفات، فإن العمل المركزي يبقى أساسيا وموجها باعتبار اختصاصاته ، وعليه الاعتماد في بلورة منهجية تختار الماسسة والحكامة في تهييء الأجواء لإقلاع تربوي تكون قواعده “المسؤولية والشفافية والترشيد والتنسيق”.



