رهان التعليم بالمغرب بين الوطني والدولي
◆ ذ. حميد المصباحي ( باحث في قضايا المعرفة والفلسفة )

المنظمات الدولية والتعليم
بقراءة تقارير كل المنظمات الدولية، سواء المهتمة بالثقافة، أوالطفولة، أو العلاقات بين الدول، كالأمم المتحدة، بل حتى المالية منها، كصندوق النقد الدولي، نجد توصيات وقرارات، لها غايات مشتركة، لا يمكن حدوثها صدفة، من قبيل ربط التعلم بالتكنولوجيا، كوسيلة حاملة لمعارف وقيم، وليس مجرد وسيلة ديداكتيكية كما يزعم البيداغوجيون التقنيون، كما ينضاف إلى ذلك، القول بضرورة ربط التعليم بالتنمية والنمو الذاتي للمجتمعات البشرية، وخصوصا الأقل نموا، أو التي نموها غير منتظم، كما أن فكرة الاستراتيجية الجديدة لمهننة التدريس، لم تظهر اعتباطا في الخطابات التربوية وحتى السياسية، بدءا من الشرق الأوسط وشمال افريقيا والخليج العربي، وقد اتضح ذلك في خطة الإصلاح 2015-2030 كما أجمعت عليها كل هذه المناطق، وتأكدت بلقاءات قارية، آخرها نيروبي، هكذا فجأة انتبه العالم إلى التعليم والتربية، وضرورة تغيير لغات العالم، والتفكير فيما عرف باللهجات المحلية، لا مجال للصدف هنا ولا المفاجآت، إن استحضار منهجيات العمل التربوي، هو إعداد لذهنيات، محكومة بتوافقات، لا يمكن إخفاؤها باختلاف نظريات البداغوجيا، بما هو رؤى وتصورات، للمعرفة، ولكن أيضا للإدماج الاجتماعي والثقافي للأفراد والجماعات,التسليم بسيادة مقاربة لها جذورها الثقافية والحضارية، والتي يعتبر عالمنا العربي موضوعا لها، رغم غياب التنظير فيه على هذا المستوى رغم المجهودات التي تبذل في هذا الاتجاه.
مغرب الأهداف والكفايات
بذلت مجهودات من خلال الميثاق الوطني للتربية والتكوين، قابلت بين النموذج القديم، بما هو تأسيس لبناء المضامين، وتوجيهها إلى أهداف، مؤسسة على حفظ الهوية الوطنية، وفق نظام القيم السائدة اجتماعيا، لضبط السلوك والنفسية والمعتقد، بما تفرض من وحدة المذهب والاعتداد بالنموذج المغربي، سياسيا وثقافيا ودينيا، لكن انفتاحا على العالم وما يعرفه من تحولات وتفاعلات، كان ديمقراطيا لابد من الانتباه إلى المجتمع، التلميذ- الأسرة، أي السماح للمتعلم بالتعبير عن ذاته والمساهمة في بنائها، بدل الأسلوب التقليدي، القريب من منطق الفقه أكثر من علوم التربية، وقد فرضت تحولات العالم، القبول بحيوية المتعلم والإنصات لما يموج داخله، والإقرار بحقه في الاختيار والدفاع عن قناعاته حتى إن كانت مجرد تمثلات اجتماعية عامة، ينبغي السماح لها بالظهور والدفاع عن وجودها، ثم الإقناع بضرورة تغيير بعض محتوياتها التي تعج بالتناقضات، هنا يظهر العالم تربويا وحتى سياسيا، فالديمقراطية، أو بعضها يفرض دمقرطة التعلمات وانفتاحها على ما هو كوني، والرؤية الاستراتيجية للتعليم_التعلم_تبدع في الحفاظ على ما هو خاص، أي تقليدي لضمان التوازن بين الجديد، المفروض والعتيق الثقافي ليتحرك تلقائيا ويقتنع بما كان يرفضه سابقا، من قبيل تجديد بعض تجليات أشكال التدين وعدم المبالغة فيها كوسيلة وحيدة للإدماج والاندماج الثقافي في الممارسة التعليمية التعلمية.
بيداغوجيا التكيف
الممارسة البيداغوجية في المغرب، اتجهت نحو الكفايات، بما تحتمله من أهداف في الأخير، لأن مقبوليتها تطورت، يمكن اعتبارها كفايات، طبعا هي عرضانية مشتركة بين كل المواد، لكن هذه الكفايات حتى عندما نستهلها بما عرف بالوضعيات المشكلات، نجدها تصطدم بعقلية المتعلم، فهو ليس أمريكيا، يعشق المغامرة، ويصر على الفهم، فقد قيل له، لا تسأل كثيرا، لأن السؤال شبه محرم، وهو خجول من ذاته، وبسبب ذلك، يكاد صوته يزعجه في المعرفة، ويفتخر به في الصراخ كشاب أو يافع وربما حتى كطفل، طبعا الكفايات لها قيم، تتفاعل مع غيرها بالاحتواء والتفهم، وحتى التقدير، لكن هناك قضايا تترك قصديا في المغرب للاجتهاد وحتى غض الطرف، لأنها موضوع تجاذبات اجتماعية وحتى سياسية بين الفاعلين، هذا شيء مفهوم، وإن لم يكن مقبولا، فاختياراتنا تخاف الوضوح، وتعمل على حفظ التوازنات، بين الجديد والقديم، الدولي والوطني، الفكري والجسدي، الفني الهادف والفرجوي الساخر، وربما حتى بين الجهالة والمعرفة، وكأننا لا نريد الحسم إلا فيما حسم فيه نهائيا، وحتى إن حصل، نؤجل الخوض فيه تجنبا للحرج، أو هربا منه، قد يعتقد البعض أن هذه إكراهات كانت ملازمة لبنيتنا الفكرية والثقافية والفقهية، ليكن ذلك، فإن التغلب عليه لا يحدث إلا بالانفتاح على الكوني علما خالصا وفنونا وثقافة، وإذا ما استوعبت مؤسسات التعليم والتربية هذه الرهانات ومضت فيها بعيدا، فإن الحرج حتما سوف يخف وقد يتراجع.
خلاصات
كما ورد في التقديم، فنظريات التعلم ليست مجرد توجهات أو مقاربات، بل نظرة للإنسان، نتجت عن تعريف له، فهو إما معارف، أو سلوكات أو بناءات عقلية عاطفية، أو بنية تفاعلية مع محيطها ومجتمعها، وكل رؤية هنا تحيل على بيداغوجيا، وأيضا مقاربة أنتجتها هذه الحضارة أو تلك، وليس هنا مشكل القبول أو الرفض، غير أن عدم القبول يحرج بالسؤال عن البديل، كما أن القبول يسائل درجات الفهم والتفهم وضرورة التطوير حتى لا نظل مكررين لما قبلنا به، تطوعا أو اقتناعا أو حتى تشبها وتشبعا.



